السيد محسن الأمين

142

أعيان الشيعة ( الملاحق )

النبي ( ص ) عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى زيادة في مسجد رسول الله ( ص ) حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة ( رض ) مدفن رسول الله ( ص ) وصاحبيه بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي اليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ولهذا قال في الحديث ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي ان يتخذ مسجدا انتهى ( أقول ) وكل هذه الكلمات متوافقة على أن المحرم من اتخاذ القبور مساجد هو السجود إليها تعظيما أو جعلها قبلة أو نحو ذلك كما يدل عليه قول عائشة فلو لا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي ان يتخذ مسجدا والمراد بإبراز قبره هدم الحجرة الشريفة التي عليه وجعله بارزا ظاهرا يراه الناس . وان الصلاة إلى القبر لا بهذا القصد مكروهة وان اتخاذ مسجد بجوار صالح لا محذور فيه وان اخبار كنيسة الحبشة ظاهرة في ذمهم على تصوير الصور وعبادتها كما هو المألوف عند النصارى ( وقول ) النووي انهم لما احتاجوا إلى زيادة في المسجد بنوا على القبر حيطانا مرتفعة إلخ الظاهر أنه إشارة إلى الحظار الذي بناه عمر بن عبد العزيز على الحجرة الشريفة وجعله مزورا من جهة الشمال بالصفة التي ذكرها النووي لأن حيطان الحجرة كانت محيطة بالقبر الشريف من أول الأمر كما مر في الفصل التاسع فقوله ثم بنوا جدارين اي بعد الفراغ من عمل الحظار المربع . ومما يدل على أن النهي في هذه الأخبار مراد به الكراهة ذكر زائرات القبور أو زوارات القبور وتخصيص اللعن بهن دون الزائرين المحمول على الكراهة كما ستعرف تفصيل الكلام فيه في فصل الزيارة وهذا دليل آخر على جواز اللعن من الشارع على فعل المكروه فتحصل من ذلك ان هذه الأخبار بعد تسليم صحة أسانيدها لا ربط لها بما يحاوله الوهابية من عدم جواز البناء حول قبور الأنبياء وعقد القباب فوقها ووجوب هدمها ( أولا ) لأنه ليس أحد من المسلمين يجعل ذلك مسجدا ( ثانيا ) لو فرض فلا دلالة لتلك الأخبار على عدم جوازه كما عرفت بل ولا على كراهته إذ المسجد يكون خارجا عن محل القبر ومحل القبر لا يصلى عليه ولا يجعل مسجدا وجعل المسجد بجوار قبر نبي أو صالح لا مانع منه كما عرفت من تصريح علماء المسلمين بذلك والممنوع منه الصلاة اليه تعظيما له أو السجود له ولا يفعل ذلك أحد من المسلمين انما يسجدون لله تعالى ويصلون إلى القبلة ( ومما يدل ) بأقوى دلالة لا يمكن لأحد دفعها على أن اتخاذ مسجد حول القبر جائز ومستحب ما فعله المسلمون وتتابعوا عليه في سائر الأعصار من توسيع مسجد النبي ص حتى صار قبره الشريف وحجرته المنيفة في وسط المسجد بعد ما كانت بجانبه الشرقي فأصبح المسجد محيطا بها وذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك وبقي كذلك إلى اليوم بمرأى من علماء الأمة وصلحائها في كل عصر وكان المتولي لتوسيعه عمر بن عبد العزيز صالح بني أمية وفاضلهم وعادلهم الذي قال في حقه ابن سعد صاحب الطبقات كان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع وروى حديثا كثيرا وكان إمام عدل حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب وقال في تهذيب التهذيب : قال ميمون ابن مهران ما كانت العلماء 142 عند عمر الا تلامذة وقال نوح بن قيس سمعت أيوب يقول لا نعلم أحدا ممن أدركنا كان آخذ عن النبي ص منه وقال أنس ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ( ص ) من هذا الفتى إلى غير ذلك من المدح العظيم الذي مدحه به حتى أنه قال : قال ضمرة عن السري بن يحيى عن رباح بن عبيدة خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ يتوكأ على يده فسألته عنه فقال رأيته قلت نعم قال ما أحسبك الا رجلا صالحا ذلك أخي الخضر أتاني فاعلمني اني سالي امر هذه الأمة واني ساعدك فيه انتهى ولم يسمع ان أحدا من العلماء والفقهاء نهاه عن ذلك ولا أفتى بتحريمه ولا جعله شركا وكفرا لا في عصره ولا بعد عصره إلى اليوم قبل الوهابية وبذلك يعلم كذب قول ابن القيم السابق انه لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر إلخ فان فيه ردا على اجلاء الصحابة الذين هم اعلم بسنة رسول الله ( ص ) منه ومن قدوته والذين يتغنى دائما هو وقدوته واتباعهما بأنهم أتباعهم في دعواهم انهم سلفيون والذين يعتقد انهم كالنجوم بأيهم اقتدى اهتدى في جعلهم قبره ( ص ) في وسط المسجد بعد توسيعه وعلى جميع المسلمين إلى اليوم الذين رضوا بذلك وأقروه فيلزم تخطئة الأمة جمعاء من عصر الصحابة إلى اليوم وتصويب الوهابية وحدهم وما بال الوهابية لم يهدموا المسجد الذي حول قبر النبي ( ص ) ويجعلوا قبره الشريف خارجا عن المسجد وأقروا هذا المحرم المؤدي إلى الشرك والكفر وقد صار الحجاز بأيديهم ولهم فيه الحول والطول واكتفوا بإقامة بعض جنودهم حول الضريح المقدس بأيديهم عصي الخيزران يمنعون الناس من الدنو إلى القبر الشريف ولمسه وتقبيله ومن لم يمتنع قرعوه بالخيزران وربما قرعوا بالخيزران على القبر الشريف اعلاما للزائر الغير الملتفت ان لا يدنو من القبر كما حدثنا بذلك جملة من الزوار ولا يمكنون أحدا من الدنو الا ببذل بعض القطع الفضية فيشيرون اليه من طرف خفي إذا لم يرهم أحد فإن كان المانع لهم خوف هياج الرأي العام الإسلامي فقد هاج عليهم بهدمهم لمشاهد أئمة المسلمين ولم يبالوا ولا بد انهم يوما ما فاعلوا ذلك إذا بقي الحجاز بأيديهم . ومما يدل على جواز بناء المساجد عند قبور الصالحين أو على قبورهم تبركا بهم قوله تعالى : ( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) في الكشاف : ( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم لنتخذن على باب الكهف مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم انتهى ونحوه عن تفسير الجلالين وعن البغوي في معالم التنزيل قال المسلمون نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لرب العالمين انتهى وعن ابن عباس قال المسلمون نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا انتهى وعن النيشابوري في غرائب القرآن ( الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ ) وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظا لتربتهم انتهى وفي مجمع البيان : ( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا ) يعني الملك المؤمن وأصحابه وقيل أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين وقيل رؤساء البلد عن الجبائي ( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) متعبدا وموضعا للعبادة والسجود يتعبد الناس فيه تبركا بهم ودل ذلك على أن الغلبة كانت للمؤمنين انتهى فقد حكى الله تعالى مقالة المسلمين من غير رد عليهم ولا انكار بل لعله ذكرها في معرض المدح فيكون ذلك تقريرا لها وإنما حكى الله تعالى قصص الماضين لتعتبر بها هذه